بعض الروايات من معاصريه

 

ما كتبه فضيلة الشيخ عبد الله بن عبد العزيز بن عقيل

 

الحمد لله وحده ، وأصلي وأسلم علي عبده ورسوله نبينا محمد ، وآله وصحبه وبعد ، فقد طلب مني متعب بن خالد السديري كلمة عما أعرفه عن والده معالي الأمير خالد بن أحمد السديري بحكم مزاملتي له في منطقة جيزان ، فأقول لقد عرفت معالي الأمير خالد بن أحمد السديري ، وزامتله قرابة خمس سنين ، حينما قدم علينا بصحبة سمو الأمير محمد بن عبد العزيز آل سعود في عام 1359هـ ، هذا منتدب لصنعاً من قبل والده الملك عبد العزيز رحمه الله ، وهذا معين أميراً لمنطقة جيزان ، بدلاً من أميرها السابق محمد بن عبد العزيز بن ماضي ، رحم الله الجميع ، وقد إستمر الأمير خالد أميراً لجيزان حتى نقل منها ، وحل محله أخوه الأمير محمد بن أحمد السديري في عام 1364هـ ، لقد عرفت الأمير خالد الرجل المحنك المتزن الذي يقدر الأمور بقدرها وصار بيننا وبينه مكاتبات رسمية بحكم العمل هو أميرنا ، وأنا قاضي بمحكمة أبو عريش من عام 1358هـ إلى أن جرى نقلي إلى الخرج ، وكانت صلتي به مستمرة حيث نجتمع كثيراً في غير أوقات العمل ويونس بعضنا بعضا بالطرائف والبحوث الأدبية والمسائل النحوية ، لأنه يتذوق الأدب وله إلمام بكتب الأدب والتاريخ وكتب النحو وغيرها ، ونتابع ما يحدث في بلادنا من تطورات وحوادث ، وما يجري في العالم من أحداث ، حيث تخللت تلك الفترة الحرب العالمية الثانية ، التي كان الأمير يتابعها ويتتبع تطوراتها وتداعياتها علي العرب والمسلمين ، من خلال ما يرده في البريد رسمياً ، ومن خلال المذياع الذي يصله بالعالم الخارجي ، لاسيما إذاعة لندن ، أقام الأمير خالد بجيزان قرابة خمس سنين تخللها غزوة الريث ، والتجهيزات التي قادها الأمير خالد على قبائل الريث ، وهم متحصنون في جبالهم الشاهقة جبال القهر ومقزع ورخية وما حولها ، قادها بحكمة ومهارة وشجاعة حتى دوخهم وكلل الله الغزوة بالنجاح ، وفي 1363هـ حصلت مشاكل على الحدود اليمنية فيما بين رعايا الطرفين وحصل قتل وسفك دماء ونهب وسلب وتعديات فتشكلت لجنة بأمر الإمامين ، الملك عبد العزيز والإمام يحيى رحمهما الله وخرجنا مع الأمير خالد هو رئيس لجنتنا ويقابلنا لجنة يمنية فيهم قضاة يرأسهم السيد إسماعيل بن حسين المداني من أسرة الإمام قاسم بن محمد . وأقمنا علي الحدود قرابة أربعة أشهر ننظر في مشاكلهم ونحلها حكماً وصلحاً أو وجاهة أو كفلاء ونعاني منهم الشيء الكثير حتى إنتهت تلك القضايا كلها أو جلها من فضل الله . وكانت الهيئة تجلس تحت ظل شجرة كبيرة دوحة واسعة الظل ، فجاءت أمطار وعواصف حتت أوراق تلك الشجرة ، حتى بدت الشمس من خلال تلك الأغصان ، فأنشد رئيس هيئتهم وكان أديباً شاعراً قصيدة منها :

حتـت الإيمــــان أوراق الشـــجـــر                        فأعجبوا يــا قــوم مــن هذا الخبر

وأنصـحــــوا القــــوم وأشيــاخـهم                        عــــن تماديـهـم فقــد طــار الشرر

وأقبضـــــوا حــــالا علــي أيديـهم                        وأحسـمـــوا كــل إعتـــداء وضرر

فـألاء القــــوم جـــــل أمـــرهـــــم                        منـكـــر والشـــر مــن هــم منتـظر

ليـــس للنفــــس لـــديــهـم حــرمة                        وكــذا أمــوالـــهـــم تحـــت الخـطر

وتــــرى الصــدق لـديهــم كـاســدا                        ولـهـــم فــي الـــزور أمــر مشتهر

فـأحـــزمــــوا القـــوم فهذا شأنهم                       وأقمعــوهــــم بـحديــــد وزبــــــر

وإذا الشيــخ(1) سعـى في أمرهم                        صلـــح الحــال وطــاب المــؤتـمــر

وإستـقـــام العــــدل فــي قـوم لهم                        ســـابقـات جمـعــت مــن كـل شر

يــا أميـــراً طـــاب ذكـــــراً وأبــاً                        ومـــقـــــالاً وفـــعـــــالاً وســيـــر

يا حـليــــف المجـــد والفـخــر ويـا                        مـنـبــــع الجـــود ويا باهي الغرر

يا خـــديـن العـــدل والـرفـق ومــن                        ظــل يــرقــي فــي معاريج العمر

خــالـــــد خــلـــدت مـجــــداً وعـلا                         ووقـــــاك الله مـــن كـــل ضــــرر

إلى آخرها ....

وأحفظ هذه الأبيات من قصيدة للأمير خالد

ربـيــع راح  و روح جـمـــاد وجــمـــاد                          وهــــذا رجـــب بــاد علينـا هـلالــه

وحنا على السوده ورى الخشل من غاد                          نصهـر نفــوس ما بقـــى إلا خيـاله

وش عـــاد لــوفيـها أبيض المزن رعاد                          تبــــرق مقـــاديــمـــه وينثـر زلالــه

يسقى الدحـــن والسلـيب والخشـل وبلاد                         آلــة أوقــش أهـل الجهـل والضلاله

إلى آخر القصيدة .....

لقد وهب الله الأمير خالد موهبة القيادة وحسن الإدارة ، وصقلتها الخبرات التي إكتسبها في العمل مع الملك عبد العزيز رحمه الله ، حيث كان أحد أفراد مدرسته البارزين ، وقد برزت موهبته وشخصيته والقيادة في وقت مبكر مما جعل الملك عبد العزيز وأبناءه يكلون له المهام والمناصب الكبيرة ويسدون به الثغور التي نجح في سدها حيث تولي مسؤولية العمل في عدد من المناطق المختلفة ، من أبها إلي جيزان في الجنوب ، إلي الظهران والدمام في الشرق إلي تبوك في الشمال ، ثم أخيراً إلى نجران ، تخلل ذلك عمله وزيراً للزراعة ، وعمله مع المستشارين في الديوان الملكي وقد إستخدم ما وهبه الله من ذكاء وسرعة بديهة وشجاعة وقوة إرادة وحزم ومعرفة للبيئة التي يعمل بها وعوائد القبائل المختلفة وساس الناس علي كتاب الله عز وجل وسنة رسوله محمد صلى الله عليه وسلم وإقامة الحدود وتنفيذ أحكام الشرع وبسط هيبة الدولة والتمسك والمحافظة على الأعراف الجميلة والأخلاق الحسنة ، وقد ظللت علي صلة به حتى بعد إنتقاله من جيزان وجرى بيينا وبينه مكاتبات حتى آخر حياته فوجدته الرجل الوفي لمن يعرفهم ، يقدر الرجال ويزنهم بميزان دقيق ، ويعامل كل إنسان بقدره ، وإذا ذكرنا سيرة الرجال الذين شاركوا في بناء هذه المملكة المباركة فإن سيرة الأمير خالد السديري من أبرزهم ، وأني أقدر لإبنه متعب همته العالية في إبراز سيرته وترجمة حياته وهذا من البر الذي يثاب عليه والجهود التي يشكر عليها ، رحم الله الأمير خالد السديري ، وأصلح ذريته ورحم أمواتنا وجميع المسلمين ، وكتبه الفقير إلى الله عبد الله بن عبد العزيز بن عقيل رئيس الهيئة الدائمة بمجلس القضاء الأعلي سابقاً ، حامداً لله مصلياً مسلماً علي عبده ورسوله نبينا محمد وعلي آله وصحبه أجمعين .

  الثالث من ربيع الأول 1429هـ

(1) المراد به الشيخ عبد الله بن عقيل

 

كلمة معالي الشيخ عبد العزيز التويجري

 

ما أصعب تداعي الذكريات , وأكثرها إيلاماً للنفس , حيث يدني الإنسان أوراقه , ليرثي غالياً عليه , أو ليتحدث عنه وهو في عالم الله عالم الخلود .  معي أيامي البعيدة , أيام الصبا والشباب , معي إنسان ما فارق ذاكرتي , التقيت به صبياً صغيراً كان في مثل سني , نزل ضيفاً علينا في المجمعة مع والده – رحمه الله – أحمد بن محمد السديري . صبي سنه تقارب سني , تعارفنا, لعبنا سوياً مع أقران لنا , منذ ذلك اليوم , وخالد بن أحمد السديري يدنو من قلبي شيئاً فشيئاً إلى أن تجاوزنا مرحلة الصبا , إلى الشباب , إلى الرجولة , إلى أن أخذ كل منا وجهنه في الحياة , وهكذا .. إلى أن توفاه الله , ولعلي لا أكون مغالياً إذا تحدثت عن ملامح شخصيته من خلال معرفتي به في كل مراحل حياته – رحمه الله – خالد ليس المدخل إلى شخصيته الهادئة منصباً , أو مناصب كبيرة تولاها , ولكن المعبر إلى تلك النفس وتلك الشخصية المتوازنة هو أن تجلس بجانبه , ليحدثك بلغة مهذبة هادئة , يشرح بها نفسك , ويأخذك إلى أبعاد من ثقافته الواسعة ما خطرت ببالك , فتظل مصغياً إليه كتلميذ يستقبل جامعة الحياة في خالد , دروساً لا يجدها الطالب في جامعته , هكذا رأيته وعرفته , ولا يعني أن بإمكاني أو حتى بإمكان ابنه أو أي قريب منه أن يقول أني عرفت خالداً , فخالد بن أحمد السديري أبعاد , لا أتصور أن ظرفاً من الظروف التي عاناها وعايشها في مسؤوليته أخرجه عن هدوئه وانضباطه مع نفسه , وهذه ميزة قليلاً ما نجدها في عمرو من الناس أو زيد من ذوي المناصب الكبيرة , وإن أنسى  لا أنسى أبداً ذلك الحافز الشخصي الذي حرّك فيّ أشجاناً وذكريات أن أزوره أيام مرضه – غفر الله له – في ضواحي نيويورك , لحظة أوجعتني كثيراً حين دخلت عليه وقبّلته , نظر إليّ وحدّق ببصره فدمعت عينه , تلك العين العزيزة إلى نفسي , جلست أنظر إليه ثم أسائل نفسي : أهذا خالد ؟ أهذا هو الإنسان الذي كثيراً ما أخذني في حوار غارق بي في متاهات هذا الكون وعالم الصخب وفلسفة الجدل الواعي لمتغيرات العصر وأحداثه ؟ أهذا خالد الهادي الوقور والمؤنس لجليسه ؟ شعرت لحظتها بأن قدري مع هذه اللحظات قدر غير مريح , وأنه لابد أن أدخل في ذكرياتي عن هذا الرجل يوم البداية مع التعارف , ويوم النهاية مع انكسار النفس , ودنو الوداع منها .. خالد الصديق , وخالد رفيق الصبا هو اليوم عند ربه , حقه علينا أن ندعو له ,  ونذكره بالخير كلما احتجنا للصديق أو الرفيق فلم نجده , وخالد ووالد خالد , وأسرة خالد , في ذكرياتي عنهم من الآباء والأهل , ومن أيامي التي عشتها وإياه أننا أسرة واحدة , فهل يا ترى أن مثل هذه الروابط الكريمة في خطر من الاندثار عندما يغيب خالد وأمثاله ؟ أتساءل .. وما أكثر ما يثيره العصر من تساؤلات أعيتنا معارفنا عن الإجابة عنها , فرحم الله خالداً , وأبا خالد , وأخا خالد .

المرحوم عبد العزيز التويجري

نائب رئيس الحرس الوطني المساعد

المصدر كتيب جائزة الأمير خالد بن أحمد السديري للتفوق العلمي فى سدير لعام 1419هـ / 1420هـ

 

 

الجيل الأول من رجال الدولة السعودية الذين بلغوا الرشد في حما الدولة الموحدة  قد يوصفون ب "شباب عبد العزيز"، تميزوا بحدة الإدراك و قوة العزيمة وجودة الأداء ، ولا غرابة فتلك هي سمات زعيمهم الذي اختارهم لترسيخ قواعد الدولة المنيعة وحماية الوطن الموحد.  كان الملك عبد العزيز رحمه الله الموحد الأكبر في التاريخ العربي الحديث الذي لم يشهد لإنجازه القومي مثيل.وقد برز في مقدمة صفوف هؤلاء العباقرة الأمير خالد بن أحمد السديري رحمه الله.  ولا يلفت الأنظار في مثل هذا الجمع إلا رجل عظيم.  المهام و المناصب التي تولاها في عهد صاحب الجلالة الملك عبد العزيز وفي عهد صاحب الجلالة الملك سعود بن عبد العزيز و في عهد صاحب الجلالة الملك فيصل بن عبد العزيز وفى عهد صاحب الجلالة الملك خالد بن عبد العزيز رحمهم الله جميعا، تلك المهام والمناصب تشهد له بتفوقه.وأكبر شاهد له بقدرته أن الدولة عهدت إليه مسؤلية المنطقة التي كانت تواجه أخطر مدخل بري من قبل تيار ضال و مضلل و ظالم يدعمه النظام الشيوعي السوفيتي.  كانت فترة ولايته في نجران تمثل المواجهة لأخطر تهديد تعرضت له المملكة منذ أن أعلن توحيدها. وبالإضافة الى بعد نظره وعلو همته و قوة عزمه وجدارته فقد تحلى بصفات لا يعرفها الا من كان قريب منه أو من قاربته منه الأحداث و لو لفترة وجيزة.  فقد كان شهما حليما كريما مكلفا نفسه بالعناية بأحوال رفاقه و حلفائه من دون تظاهر أو من. هذا ما عرفته عنه من والدي سيف الإسلام الحسن بن يحيى رحمه الله و من إخواني الذين سبقوني في السن في معرفة الأمير خالد بن احمد السديري.  أما انا فما عرفته الا بعد تراجع خطر العدوان وفى معالجاته المستمرة فى نيويورك لأن الأمراض كانت متمكنه منه رحمه الله فقد أفقده المرض الكثير من طاقته البدنية. وهنا أتوقف عند القول المأثور: إذا أحب الله إمراءٍ إبتلاه . أسأل الله عز و جل أن يجعل تلك المعاناة وسيلة لمضاعفة حسناته ورفع درجاته. كنت في أوائل العشرينات من عمري عندما عرفته في زياراتي له عندما كان ينزل في نيويورك للعلاج.  كنت اذهب مع والدي عندما يزوره وأحيانا مع اخواني و أحيانا مع أبناء إخواني، بعض الزيارات كانت في الفندق و بعضها في المستشفى و بعضها في منزل في ضاحية نيويورك. في كل زيارة من تلك الزيارت لم أجده إلا كأنه بين اخوانه وأبنائه، يحترم الكبير والصغير بلا رسميات ولا تباعد، لهذا كنت أفقد الكلفة بعد دقيقة أو دقيقتين بعد حضوري مع الزائرين لديه.  فكنت انطلق في الحديث معه كأنني مع أبي أو مع استاذي المربي.  و هذا كان يدفع بعض الحاضرين الي تلميحات خفية علّني اتوقف عن ما تصوره بعضهم محرج.  ولكني لا أذكر أني تعديت اللياقة قط، فهو نفسه رحمه الله الذي كان يفتح المواضيع تعرفا على آرآءنا و أحوالنا و حاجاتنا.  في تلك الزيارات وجدت الدليل المباشر على صدق ما سمعته عنه.  وحتى في زيارتي له في الطائف في جمع مفتوح يحضره عدد كبير من الناس، وجدته منفتح و بعيد عن التكلف.  ذلك هو الأمير خالد الأحمد السديري كما عرفته.   

الدكتور الأمير أحمد بن الحسن بن يحيى حميد الدين

19/3/2007م 

 

أنا معجب بشخصية الأمير خالد السديري وذكائه وبإخلاصه للوطن فهو لم يكن رجل ساهم من خلال منصبه فحسب أو كان أثره فقط فيما قام به في نجران رغم أهميته وصعوبته  فهذا شيء من مواهبه فعندما كان في الشمال والجنوب والشرق ولاحقاً في وزارة الزراعة كان الملك عبد العزيز في بداية تأسيسه للملكة في أشد الحاجة للمخلصين إذ كان الوطن حلبه نزاع وصراع فكان خالد السديري من الذين أسسوا وساهموا ليس لأنه مقتدر فحسب ولكن لأنه من الخلص لهذا الوطن إن ما أسمعه من روايات عنه دفعتني لأن أقرأ وبالفعل بدأت أقرأ ووجدت أن الرجل خبير في الإصلاح في كل جوانبه ودعني أعطيك مثالاً على الجانب الإداري وقد لا يتبادر إلى الذهن بالسرعة المطلوبة للبعض فعندما كان أميرا لتبوك درس أوضاع بلده تيماء ورفع تقريرين للملك عبد العزيز يشرح فيها وضع تيماء وأحوالها ورغب الملك عبد العزيز أن يبقى هناك المدة التي رآها كافيه لترتيب أحوالها من اجل راحة الأهالي وبعث الطمأنينة في نفوسهم انظر للأمر الملكي رقم 134 بتاريخ 3-1-1370 الموجه للأمير خالد السديري نتيجه لدراسة خالد السديري ثم ارجع إلى فؤاد شاكر وحمد الجاسر لترى المبادرات التي قام بها الأمير خالد السديري في مسائل الإصلاح الإداري والاجتماعي وهذا مثال على أن الرجل يجري في عروقه حب الوطن والاهتمام به فيبحث ويهتم بكل ما هو في صالح البلد ثم يقترح وينفذ . إن هذا هو همه واستمر على ذلك حتى أثناء مرضه – رحمه الله من رجل أعطى لبلده كل حياته – فكان يخفي معاناته من المرض ويتظاهر حتى يستمر في أداء عمله أمام مرؤوسيه وحتى لا يشتكي إلا إلى الله سبحانه وتعالى . أن ما تفضل به كبار السن في مجالس متعددة حيث يذكرون الأفذاذ من الرجال في كل منطقه من هذا البلد ومن كل عائله هو السبب الذي يحدوني لمتابعه ومعرفه تاريخ هؤلاء العمالقة وعلينا أن ندونه أو نعيد تدوينه بصدق وموضوعيه واحسب خالد السديري يحتل مكانا بارزا في المقدمة . إن واجبنا كشباب وآباء لهؤلاء الشباب أن نعمق مفهوم الصدق والموضوعية ونبتعد عن كل ما يعكر ذلك لان هؤلاء بنوا وساهموا وأعطوا في وقت كان من أصعب الأوقات واحلكها فالقبائل تتناحر والمدن والقرى تتصارع والموارد شحيحه وكانت الثروة الوحيدة هي جهد هؤلاء الرجال وإخلاصهم فقدموا لنا ما يجب أن لا ننقطع عن الدعاء لهم في كل صلاة فرحم الله الملك عبد العزيز وأحبابه من آبائنا وأجدادنا الذين أحبوه واخلصوا له لا لشيء إلا من اجل هذا الدين وهذا الوطن ومن اجل عبد العزيز الذي كانوا يفتدونه بأرواحهم فرحم الله عبد العزيز وأحبائه .

الدكتور زيد الحسين

نائب رئيس هيئة حقوق الإنسان

27/10/1427هـ

 

كلمة وفاء في المغفور له الأمير خالد بن أحمد السديري يرحمه الله

لقد كانت معرفتي بالمغفور له تعود إلى أزمنة بعيدة قبل أن ألتقيه فقد كان إسمه يتردد في محيطي العائلي والإجتماعي محاطاً بهالات التقدير والإحترام. وعليه فقد كانت أول مقابلة لي معه في إمارة نجران عام 1968م وتكررت تلك اللقاءات مرات ومرات حيث كانت إنطباعاتي عنه هي صلابة روحة الوطنية ووعيه العالي بالتاريخ وإلمامه بالمتغيرات الإقليمية والدولية وقدرته التحليلية الرائعة وسرعة البديهة لكل المواقف التي تقابله . الحقيقة أن المغفور له سمحاً بطبيعته حيث كان يضحي من أجل ما يؤمن به من قيم ومبادئ ولذلك فقد لعب دوراً أساسياً ومحورياً في مواقع عده ومناصب متعددة في خدمة مليكه ووطنه وكان رجل المواقف الصعبة والشموخ وكان شخصية نادرة ومصداقية وافية وشعله من العطاء والتضحية في خدمة المملكة العربية السعودية علي حساب صحته . علاوة على ذلك كان يرحمه الله يتمتع بحكمة ورصانة وغيرة عربية صادقاً ووفياً معتز بنفسه لا يتلون ولا يجبن ويتمتع بأخلاق عالية وحميدة يفرض علي كل من عرفه بأن ينظر إليه بالثقة والتقدير . لقد خسرت المملكة إحدى قادتها ورجالاتها الأوفياء والشجعان برحيل هذه الرجل الذي عرفه الكثير من داخل المملكة وخارجها وأصبح كل من عرفه وعاشره يكن له الحب والتقدير لكونه رجل المواقف والكلمة حيث كانت له مواقف بطولية عديدة في جميع مراحل ومنعطفات حياته ومواقعه لشخصيته القوية وإرادته المتميزة وقد كان قوي التأثير في الإقناع لكل أصدقائه ومحبيه وكل من عرفه عن قرب في حثهم على الوئام والمحبة والتكاتف فيما بينهم . وقي الختام أتوجه إلى الله العلي القدير أن يتغمده بواسع رحمته وأن يسكنه جنات النعيم وأن يجعل الخير والبركة في أهله وأبنائه ، ولا علينا هنا إلا أن نقول إنا لله وإنا إليه راجعون .

 اللواء الركن حيدر بن صالح الهبيلي

عضو مجلس الشورى اليمني

 

يروى لنا الأستاذ عبد العزيز العياضى مدير التعليم بمنطقة نجران والذى عمل فترة طويلة مع الأمير خالد بن أحمد السديري جوانب أخرى كثيرة من حياته العملية ومواقفه في كثير من المناسبات يقول الأستاذ عبد العزيز العياض . عندما أتحدث عن شخصية معالي المرحوم الأمير خالد بن أحمد السديري فإنني في الواقع أتحدث عن أحد أولئك الرجال الذين قامت على أكتافهم هذه الدولة القوية بربها المخلصة لدينها وشعبها . أتحدث عن نوع فذ من الرجال الذين أفرزتهم هذه الأرض الطيبة أتحدث عن إخلاص منقطع النظير وحبه أن آخر أمانيه كما قال في آخر حوار "أن يمد الله فى عمر مليكنا وولي عهده وأن يعز بهم الإسلام وأن أرى بلادى في مقدمة الدول الحديثة بالمحافظة على عاداتنا وتقاليد أمتنا السمحاء". نوع من الرجال هذبتهم روح العقيدة ودربتهم عبقرية المغفور له الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن طيب الله ثراه وصقلتهم تجاربه التاريخية فكان مثال عصرهم وشغف قلوبهم التى إحتل منها مكان الصدارة ليصبح بيت الأخطل :

عبد العزيز وما دمت أكفهم                إلا إليك إذا قالوا من الرجل

أكثر ما يعجبه من الشعر .

نقلاً عن جريدة البلاد

 

الأمير خالد بن أحمد السديري كما عرفته

 لقد عرفت معالي الأمير خالد بن أحمد السديري عندما كان مشرفاً على أعمال إمارة نجران في تلك الفترة المضطربة على حدود المملكة العربية السعودية الجنوبية . حيث كان رجل موقف بحنكة أحياناً وبسياسة تارة أخرى وبحزم وشجاعة تارة أخرى . لقد كان الأمير خالد السديري رجل دولة يدير الأمور بكل إقتدار رجل حرب إن لم يكن مفر منها ورجل سلم إستطاع التعامل مع الجميع بصبر وحكمة حتى تجاوز العديد من المواقف الصعبة أيام الثورة اليمنية المدعومة كاملاً من الرئيس جمال عبد الناصر الذي كان هدفه زعزعة الحكم في المملكة إلا أن جميع الخطط والأهداف تحطمت على الحدود السعودية وقد كان لشجاعة الأمير خالد وسياسته دوراً في ذلك .لقد عرفت فيه الرجل القوي الذي لا تهزه الأحداث  كان له مواعيد مع الموت في أحيان كثيرة في تلك الأيام عندما كانت الطائرات المصرية تستهدف الأماكن التي يتواجد بها وكانت تزيده قوة وإصرار على خدمة دينه ومليكه ووطنه ، كان أثناء العمل ذلك القائد الذي لا يكتفي بالتوجيه فقط بل يشارك رجاله في مواقع المواجهات التي على الأرض ولذلك حظي بحب واحترام من عمل معه . وفي الأوقات العادية تجده ذلك الشاعر الحالم الذي يقلب صفحات الإحساس وكأنه يعيش في عالم آخر . يتسامر مع أخوانه وجنوده وزملاءه بكل أريحيه يسأل عن أدق تفاصيل حياة كل منهم ويشاركهم أفراحهم وأحزانهم . إنني أتذكر عندما يشتد الوضع وأحيانا كثيرة نحتاج إلى مقابلته فنجده في الانتظار في أوقات متأخرة من الليل فكم اجتماع عقدناه معه بعد منتصف الليل . إن من الأشياء التي لا أزال اذكرها ويذكرها الكثير ممن تعامل معه احترامه للآخرين وإنزال الناس منازلهم حتى ولو اختلف معهم .

 الشريف أحمد أبو طالب

قنصل المتوكلية اليمنية في نجران

 

كلمتي بالأمير خالد

للتاريخ والأمانة أكتب هذه الكلمة في المرحوم الأمير خالد بن أحمد السديري أمير نجران الذي صمد صمود الأبطال الشجعان وثبت ثبوت جبال نجران بحدود شمال اليمن وجنوب المملكة العربية السعودية متذكر ومذكر بصفات ذلك الأمير البطل الشجاع الكريم رجل المهمات الصعبة كما عرفته كان رجل سياسي محنك وقائد فارس متوقد الذكاء لين الجانب ذو امتياز في الخلق والعدل والبصر والبصيرة واسع المعرفة السياسية والقيادية اجتماعي وشعبي بطبيعته ومخلص لدينه ومليكه ووطنه قل نظيره في عصره محباً لوطنه وعروبته وإسلامه تجتمع فيه صفات النبل والوفاء والحزم .

الشيخ محمد عبد الله ناصر القردعي

أحد مشائخ قبائل مراد في محافظة مأرب باليمن 

 

إعادة الفضل لأهل الفضل

عندما يتحدث الإنسان عن الرجال الذين يستحقون الثناء عليهم لأنهم أهل لذلك , يعجز اللسان عن التحدث عن أفضالهم . فقد رأيت أنه من واجبي أن أسطر هذه الكلمات عن رجل سبقني الكثير بالتحدث عنه قد كان له معي ومع غيري مواقف لن تنسى . فقد كان رجلاً كريماً الأخلاق أديباً وشاعراً يمد يده للقريب والبعيد , وقد كان له موقف لن أنساه عندما كان وزيراً للزراعة , حيث ظهر بنجد أفواجٌ من الجراد كادت أن تقضي على المزارع , غير أنني استنجدت به كما استنجد به الكثير ممن أحاط الجراد بمزارعهم , فوقف وقفة الشهم الهمام , وقدم كل ما نحتاج إليه من عون . وكان ذلك الموقف منقذٌ للمزارع التي ألمت بها هذه الآفة ألا وهي آفة الجراد . كما أنني أذكر وبكل فخر واعتزاز موقف وقفه معي عندما كان بيني وبين وزارة المواصلات خلاف حول طريق أرادت الوزارة تنفيذه في جهة لا نرغب تنفيذه فيها , فوقف وقفة مشرفة تليق بمكانته وما يتمتع به من مكانة عند أهل الحل والربط .

 أجل إنني مدين له وسوف أذكر مواقفه في كل مناسبة , وقد تسأل عن ذلك الرجل إنه الأمير خالد بن أحمد السديري الذي كان نعم الرجل , وأنا أعتبره من الرجال القلائل الذين حباهم الله وأنعم عليهم بمحبة الناس لهم . فهذا الرجل لم يستفزع به أحد إلا وهب مسرعا لمساعدته بماله وجاهه , فأهل المعروف في الدنيا هم أهله في الآخرة , كما قال الشاعر :

 

من يفعل الخير لا يعدم جوازيه               لا يذهب العرف بين الله والناس

هذا ما كتبته في هذه العجالة , وقد يستحق أكثر مما ذكرت وذكر غيري . تغمده الله بواسع رحمته , وأسكنه فسيح جنته إنه جواد كريم ملك بر رؤوف رحيم .

 المحامي الشرعي / عبد الله بن عبد الرحمن بن إبراهيم بن سلامة

جوانب إنسانية من حياة الفقيد

أما الأستاذ مبارك المطلقة مدير الزراعة والمياه بمنطقة نجران والذي عمل فترة طويلة مع الأمير خالد السديري وكان أحد مرافقيه فى جولاته لبعض المناطق فيروى جوانب أخرى إنسانية من حياته ويقول : هناك جوانب من حياة الأمير خالد بن أحمد السديري لم يعرفها إلا القليل من الناس الأهمية التى يجب أن تكون عليها ومنها بالطبع الجانب الإنساني فخالد السديري رحمه الله إنساني النزعة ، اجتماعي بطبعه دون تكلف بجد لذة العيش بين (أخوياه) حتى أنه لا يفارقهم إلا وقت النوم وغالباً ما كان يجالسهم إلى بعد منتصف الليل وكان رحمه الله يحب البساطة ويكره التكلف ، كان يتناول فطوره مع أخوياه فى الصباح الباكر تحت شجرة سنط شحيحة الظلال أمام باب منزله ويتناول القهوة غالباً فى الصباح الباكر مع تمر يتقاسمه فى إناء واحد مع بقية (الأخوة) وبعض المراجعين ، يذهب صباحاً إلى العمل ليخرج بعد صلاة الظهر يتناول الغداء فى العريسة بين أشجار النخيل ثم يذهب على قدميه يتحسس الأشجار ليكلف القائمين من العمال عليها بالتقليم أو التسميد أو غير ذلك .

كان رحمه الله يجد المتعة ويعيش حياة حقيقية بتفقده المستمر للكائنات فى مزرعته ، كان يذهب يومياً إلى أماكن الماشية يرضع بيديه صغارها ، يفوح وجهه بشراً وسعادة وهو يرى ناقة أو بقرة أو شاة وهى تلد وتغمره سعادة حينما تكون الولادة "توأم" كان يقضى الساعات الطويلة وهو يتجول بين الإبل فى زرائبها ليتحسس كل واحدة منها بيديه يحنو عليها ، يطعمها .

كان يحب البادية :

وكان يحب البادية ويطرب لرؤية كثبان الرمال فى الصحراء وكان يتحسس بيده نباتات الصحارى كالزهر والأقحوان بلهف ومحبة حتى لتحس كأنه يذوب فيها وكانت قطعان الماشية "إبل وغنم " تجوب ربى (جرير) بعد أن هلت عليها سحائب صيف بدأت (سمرتنا) بعد أن تعشينا على (قعود) فى ليلة ربيعية مقمرة وكان رحمه الله يملك رعيتين من خيار الإبل غير متجانسة فى اللون أو الشكل والهيئة فالأولى يطلق عليها (شيوبات) وألوانها سود كالليل المدلج كبيرة الحجم طويلة الأرجل ، رقابها طويلة ورؤوسها حسنة التقاطيع تتوجها أذنان صغيرتان ، والرعية الأخرى يطلق عليها (هديات) ألوانها تميل إلى الحمرة كبيرة الحجم وجميع (الأخوباء) منقسمون إلى فريقين فريق من أنصار (الشيوبات) وفريق من أنصار (هديات) وفى تلك الليلة والنار توقد تحت السماء الصافية والقمر ينتشر ضياؤه فى جنبات الأرض و(دلال) القهوة رافعة أعناقها تتراقص على سطحها شعلة من نار توقد وأباريق الشاي رابضة على جانب الجمر وفى هدأة الليل أقبلت مجموعة من الإبل علينا وهى من بنات (شيوبات) حتى أصبحت قاب قوسين من إناء يحمل تمراً للأمير خالد رحمه الله ومدت واحدة منها رقبتها وتناولت من الإناء بعضاً من التمر ثم تدافعت بقية الإبل لتنال نصيبها تتقاذف بالإناء وحاول أحد الحاضرين أن يبعدها فزجره المرحوم بأن يتركها وسبيلها ثم أتت أحدها ومدت رأسها على كتف الأمير خالد برقة وعذوبة كأنها تشكره على إحسانه ثم بدأ الحديث عن صفات (شيوبات) بدأ همساً ثم إرتفع الصوت حتى أمسى جدلاً محتداً بين الفريقين حتى أنى خشيت معه أن يصل الجدال حد القذف وكان يبتسم من صميم قلبه وهو يرى الناس حوله يتحدثون بحماس عن إبله وكان رحمه الله يحب "أخوياه" ويتفانى من أجلهم ، يساعدهم ويحنو عليهم ، إنها عشرة عمر وفى الجزء الأخير من الليل أوى كل منا إلى فراشه وكان رحمه الله واحد منا ينام بيننا قريباً من موقد النار .

مبارك  المطلقة 

المصدر : جريدة البلاد العدد 9396 السبت 15 رجب 1410هـ الموافق 10 فبراير 1990م

 

 

من أسرته

 

معالي الأمير تركي بن خالد بن أحمد السديري الوزير السابق وأحد أبناء المرحوم الأمير خالد بن أحمد السديري بدأ حديثه الهادئ مع مجلة "أهلاً وسهلاً" ليوضح الدافع الإنساني لإنشاء جائزة الأمير خالد بن أحمد السديري للتفوق العلمي بقوله : إن إنشاء الجائزة ما هو إلا تقدير وتكريم لرجل علم نفسه في حياته ، وإستعان في تحقيق ذلك بمن إلتقى من علماء أجلاء ، وشجع العلم في كل المناطق التي عهد إليه بإدارتها ، وأجرى المسابقات العلمية والتعليمية ، وقدم الجوائز لها في حياته ، وهناك دافع آخر وهو المساهمة مهما كانت متواضعة في النهضة التعليمية في المملكة ، ومن منطلق أن العلم هو السلاح الأساسي بعد الدين الذي تواجه به المملكة تحديات العصر . ويتذكر الأمير تركي بدايات الوالد التعليمية كما عرفها فيقول إن إهتمام الوالد بالتعليم ظهر مبكراً ، حيث نهل التعليم في مدينة الغاط وهو حدث صغير ثم إنتقل إلى الرياض ليشارك في الجلسات العلمية والتعليمية عند الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ ، وكانت هذه البدايات في تجربة التعليم . وعندما شب وحصل على قسط من التعليم كلف بالعمل وكيلاً في منطقة عسير مع أخيه الأمير تركي بن أحمد السديري – أمير المنطقة آنذاك – ثم كلف بالعمل أميراً لمنطقة جازان في أوائل الستينات الهجرية ، وكان يحرص على مجالس العلماء في هذه المنطقة التي كانت تمتلئ بعدد من العلماء في مجال الأدب والفقه واللغة والقرآن .. إلخ وكانوا على إتصال بأهل بيت الفقيه باليمن ممن لهم باع طويل في العلوم والتراث الإسلامي . وكانت إجتماعات العلماء مع الوالد في كل صباح وكانت هذه فرصة لتقوية معلومات الوالد اللغوية والتاريخية والدينية وبشكل عام كان عنده إستعداد قوي ورغبة أقوى للمعرفة وللتعليم والإطلاع الكبير على الأدب والشعر وخاصة اللغة العربية الفصحى التي إشتهر بها وأحبها . وكانت هذه البدايات في جازان ، ومن أهم أساسياته متابعة ومراقبة مدرسة جازان حيث ألحقني أنا وأخي فهد بهذه المدرسة .

ويقول لي الدكتور محمد الملحم وزير الدولة السابق : إن الوالد زارنا في مدرستنا بمنطقة الإحساء وقدم لنا الهدايا والجوائز وكان آنذاك أميراً لمقاطعة القطيف التي تشمل الظهران والخبر والدمام والقطيف ، وكان يتابع النشاط المدرسي في مدرسة الدمام . ويذكر فضيلة الشيخ محمد بن جبير رئيس مجلس الشورى السابق – رحمه الله – أن الوالد زارهم في دار التوحيد بالطائف ، حيث الإهتمام بالتعليم ، وكان الوالد يشجعهم ، ويذكر الشيخ إبن جبير – رحمه الله – أن الوالد أعطى هؤلاء الطلبة "راديو" وكان الراديو حديث العهد بالمملكة ، وكان لهذا الراديو وقع كبير لدى الطلبة وما يزالون يذكرون هذه الهدية التي ساعدتهم كثيراً ، مما يدل على الإهتمام بالتعليم والمتعلمين في منطقة تبوك والقطيف .

ومن الأعمال الفريدة للوالد إنشاء أول مدرسة للبنات في نجران ومن هواياته الخاصة القراءة والإطلاع في جميع العلوم وخاصة الأدب والشعر والثقافة وروادها ، فكان يقرأ للدكتور طه حسين والعقاد وزكي مبارك ويتحدث عنهم ويقرأ لنا مقاطع مما كتبوا ويحاول أن ينمي إحساسنا الأدبي . والأخ فهد إكتسب منه الكثير في هذا الجانب . ويضيف معاليه أن الوالد كتب مذكرات وربما لو نشرت لكان لها وقع  طيب ، لخبراته في مناطق عديدة وخاصة خدمته مع الملك عبد العزيز – طيب الله ثراه – في أبها وجازان ونجران والظهران والخبر والقطيف والدمام ثم عمل مستشارأً ضمن مستشاري الملك عبد العزيز – طيب الله ثراه – ثم أميراً لمنطقة تبوك ثم وزيراً للزراعة ثم عاد مرة أخرى للإشراف على نجران أيام توتر العلاقات بين اليمن والمملكة . ومن ذلك أنه عاصر مراحل مهمة في تاريخ المملكة ولديه تجارب خاصة به وبمواقفه ، حيث لديه من البلاغة والقدرة البلاغية التي تمكنه من نقل الأحداث الحية ، وأنا أعتقد أنه لو ظهرت هذه المذكرات التي كتبت آنذاك لكان لها وقع عظيم ، إلا أن ما حدث أن الوالد ورجاله كانوا يقيمون في خيام في مدينة نجران وحدث حريق أدى لإحتراق المذكرات قبل أن تشاهد النور ، ولم يحاول كتابتها مرة أخرى ولكنه تألم لها كثيراً وهذه المواقف لم يعاصرها سواه.

كما أود الإشارة إلى نقطة أخرى عندما عين مستشاراً للملك عبد العزيز تم إختياره لما لديه من مقدرة لغوية ليكتب مذكرات الملك عبد العزيز – يرحمه الله – بحيث تكون وثائقية وواقعية بعيداً عن التأليف . لكن نظراً للظروف آنذاك كلف بالعمل في منطقة تبوك ولم تظهر المذكرات للنور وبالطبع لو كان هذا العمل إكتمل – وخاصة بعيداً عن تأليف الأجانب والغرباء – لكان لها الأثر الكبير . ومن سفرياته – رحمه الله – خارج المملكة أنه زار الشام ولبنان والأردن وفلسطين وفي آخر أيامه زار أوروبا وأمريكا وألحقنا بالتعليم في جامعات لبنان . وعن الجائزة يقول الأمير تركي بن خالد السديري : إن فكرة الجائزة ظهرت بعد وفاة الوالد وتبناها الأخ فهد عندما كان قائماً بعمل إمارة نجران في عام 1400 – 1401هـ وقد صدر الأمر السامي بعمل جائزة لمتفوقي المناطق وكانت جائزة نجران بإسم خالد بن أحمد السديري وقد بذلك أخونا الكبير فهد جهداً كبيراً في إقامة وتطوير الجائزة في منطقة نجران وقد إستمرت الجائزة في نجران فترة عمل الأخ فهد وكان لها وقع طيب بحيث سلطت الأضواء على المنطقة نفسها من حيث الجانب العلمي للطلبة والطالبات وأوجدت المنافسة في القطاع التعليمي . وعندما إنتقل عمل الأخ فهد السديري من نجران إلى الرياض في عام 1416هـ إنتقلت الجائزة إلى الغاط وقد تم ذلك بقرار من لجنة الجائزة لأن إقليم "سديري" هو مسقط رأس صاحب الجائزة – رحمه الله – ولكي يأخذ هذا الإقليم نصيبه من بعد أن قامت بدورها في منطقة نجران ولكي تكون دائرة الإستفادة أوسع . وعن الرؤية الخاصة لمستقبل الجائزة يقول معاليه إن الجائزة بإسم "أسرة السديري" عامة ومازال الإقتراح قيد الدراسة حتى يمكن أن تستمر وتتوسع . هذا بالإضافة إلى أن تقوم الجائزة بتسهيل الإبتعاث للمتفوقين في الدول المتقدمة كمنحة للمتفوق وهذا سيكون أسلوباً جيداً للمنافسة والتحصيل .

مجلة أهلا وسهلا العدد (5)

ربيع الأول 1424هـ

 

 

أمثلة كان يرددها

 

كان رحمه  الله بسيطاً جداً في كافة أمور حياته كمسكنه وملبسه .. الخ. وكذلك في تعامله مع الآخرين إذ لا يحب التكلفة في أي أمر من أموره العامة أو الخاصة . ومما لاحظت عليه من حيث علاقته بمعارفه السابقين وفاءه الشديد لهم وتمسكه بروابط المواصلة بمن عاصره وعاصروه في دروب الحياة الهين منها والوعر في المناطق المختلفة التي تولى مسئولية إدارتها بتكليف من القائد الفذ الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن تغمده الله برحمته ومن خلفه من أبنائه ممن تولى دفة الحكم والمسئولية في بلادنا الغالية .

وأتذكر أنه أوقفنى مرات عديدة وأنا أقود به السيارة في بعض شوارع مدينتي الرياض والطائف ليلقى السلام على بعض الأشخاص الكبار في السن ممن يلحظهم في الشارع على بساطة مظهرهم وكثيراً ما يركبهم معه فى السيارة . لأعرف منه فيما بعد أن أغلبهم من الجنود المجهولين ممن خدموا هذه الدولة فى المراحل الأولى من نشوئها في مناطق بلادنا المترامية الأطراف ، وأنهم من الرجال الذين قاموا بكذا وكذا من المهمات في خدمة مليكهم ووطنهم .

ذكريات أحاديثه وأقواله كثيرة فقد كان رحمه الله حكيماً حصيفاً في نظرته للأمور وعميقاً في سير اغوار كل ما يهم مجتمعه من مسائل وقضايا وخاصة ما كان منها متعلقاً بنطاق الأعمال التى تولى إدارتها أو ما كان له سابق خبرة وتجربة شخصية فيها . وكان يتحدث عن العديد من المناطق بما فيها من وديان وجبال وسهول وقبائل وكأنه عاش فيها معظم حياته . وكان هذا دأبه رحمه الله في التعرف على كافة الأمور في جميع المناطق التى عاش فيها من عسير إلى تهامة جيزان إلى الظهران إلى تبوك ثم فى منطقة نجران بعد أن عمل لفترة قبلها وزيراً للزراعة والمياه .

إن هذه الدراية المتناهية بأمور العديد من مناطق المملكة المختلفة وبحياة أبنائها لم تمنعه من إعطاء روحه شيئاً من الترفيه في تذوق الشعر والأدب والنحو والصرف حيث كان له رحمه الله باع طويل عرفه عنه معاصروه كالسيد عبد الله بن حميد من عسير والسيد أحمد الحازمي رحمهما الله ومن الأحياء السيد أحمد عبيد أمد الله فى عمره وكذلك الشيخ عبد الله بن عقيل والشيخ عبد الله بن عدوان و الشيخ محمد بن عوده وغيرهم الكثير . وأذكر أنه كان معجباً كل الإعجاب بالدكتور أحمد اللهيب لما إنطبع لديه رحمه الله من بلاغه وعمق فى هذا المضمار .

كما أن تطورات الأحوال السياسية العربية والدولية لم تكن تغيب عنه سواء كان فى المدن أم في خارجها فمتابعته ودفة تحليله للأحداث كانت تثير إعجاب كل من إختلطوا به من العرب وسواهم وكثيراً ما تراه رحمه الله بين أبناء البادية كواحد منهم وبين أبناء الحاضرة كواحد منهم أيضاً . فالإنسان الذى عركته الحياة وتجاربها بهذه الصورة وما عرف عنه تغمده الله برحمته من ثقافة عميقة وذاكرة قوية لابد أن يكتسب من مخالطته والإحتكاك به . سواء كان ذلك أبناءه أو أقاربه أو من غيره فلديه الكثير من الحكمة والمعرفة بجوانب الحياة المختلفة .

لقد كانت شجاعته مضرب الأمثال لدي الكثير ومما كنت أسمعه يردده في بعض الأحيان ، أرجو إذا قدر لي الله الموت أن لا تكون وفاتي كموتة البعير بل أن ألقى وجه ربى وأنا في ميدان المعركة . وحيث أنه سبق وأن أجريت له رحمة الله عليه أكثر من عملية جراحية خطرة منذ سنوات طويلة قبل وفاته فإن كثيراً من أصدقائه وأقاربه كانوا يلومونه لأنه كان ينأى بنفسه عن حياة الدعة والسكينة والتمتع بطيبات الحياة المستقرة فكان جوابه لذلك أنني أعتبر حياتي بعد عملياتى الجراحية سنوات جديدة أضيفت لعمرى الذى شارف على النهاية منذ سنوات لذا تولدت لديه فلسفة خاصة به كان لاشك أساسها تربيته الدينية وتقاليد أسرته ومجتمعه العريقة بأن قيمة حياة الإنسان هي بما يقدم للآخرين من تضحية وصبر على المكاره فى معترك الحياة وفى دروبها الوعرة . لذا كانت البساطة في الملبس والمظهر إلى حد التقشف وكان للبعض تفسيرات أخرى لها في غير محلها كما نعلم نحنن أبناءه عنه حق المعرفة .

معالي الأستاذ تركي خالد السديري يتحدث عن والده قائلاً : أما من حيث الأمثلة الشعرية أو العامة التي يردده في بعض المناسبات فهي كثيرة يصعب حصرها لضيق المجال من فرط إتساع ثقافته العامة . إننى أذكر حادثة واجهتها معه وأنا صغير لا يمكن أن أنساها ما حييت وهي أنني عندما قدمت له فى جيزان حيث كان متولياً مسئوليات إمارتها لم أعرف كما يظهر لصغر سنى كيف أتعامل معه فقد تربيت منذ صغرى في منزل خالي المرحوم حسن بن محمد آل عايض بمدينة أبها وقد عوملت على ما أذكر من قبل والدى بكل عطف من قلبه ومن الأسرة بكاملها عند قدومي إلا أنني بقيت لفترة طويلة غير متأقلم مع الجو والأسرة الجديدة وقد وجهني مرات عدة بعدم تكرار تهربى منه والجلوس معه والذي سببه ربما كان تهيبى منه بالرغم من أنه كان في مطلع شبابه آنذاك وحدث أنني جرحت أحد أصابع قدمي وقد أبطأ الجرح دون علاج وأعتقد أنه علم بذلك وصادف أن هذا الحادث صاحبه فترة تهرب من قبلى في رؤيته لبضعة أيام وحدثت الطامة الكبرى بالنسبة لي عندما أتيت منطقة كان رحمه الله يربى بها بعض الإبل والأبقار حيث كان يعتنى بها شخصياً كعادته دائماً في كل منطقة حل بها إلى حين مرضه الأخير وحينما شعرت بوجوده أطلقت لرجلي الريح معتقداً أنني أستطيع الإختفاء عنه في أرجاء المنطقة السكنية الواسعة الأرجاء والتى كانت عبارة عن عدة مساكن وقصور وأحراشه بناها آنذاك المرحوم إبراهيم العوشن إذ أنني شعرت به يجرى خلفى بكل قوته بحيث أن محاولتى اليائسة باءت في النهاية بالفشل ولم أشعر بنفسي إلا وأنا محمول بين ذراعيه القويتين ثم أعقب ذلك صفعتين على وجهي أبكتني بحرقة لأنها كانت تجربة مفاجئة لى لم أعرفها من قبل ولم أعرفها منه من بعد فقد كان الخطأ خطئي لا شك وقد نظف جرحى وعالجه بيديه الطاهرتين رحمه الله .

 

كيف كانت معاملته لأبنائه

لم يكن يتدخل فى حياة أبنائه وبناته في معظم أمورهم العادية فقد كان يؤمن رحمه الله أن على الفرد منهم أن يكتشف نفسه ويواجه أمور الحياة ومسئولياتها بنوع من الإستقلالية والإعتماد على النفس كما أنه بحكم طبيعته يحب أن يتعود أبناؤه على الخشونة والبعد عن الرفاه والنعم وقد كان يشجعنا على رحلات الصيد وغيرها مما يساعدنا على تحمل قسوة الصحراء ومعايشة حياة البادية وسواهم من أبناء المناطق المختلفة في بلادنا الواسعة الأرجاء فالواحد منا ولله الحمد يعيش بشكل إعتيادى في البادية والحاضرة وكذلك في جنوب المملكة أو شمالها والكل منا له فيها الكثير من المعارف والأصدقاء في كل منطقة في أرجاء بلادنا الحبيبة وبالإضافة إلى حرصه على سير أفراد أسرته بما يمليه عليهم قيم ديننا الحنيف وأعراف مجتمعنا وتقاليده الأصلية فإنه كان حريصاً على تنمية قدرات أبنائه في اللغة وآدابها وأعتقد أن ما يتمتع به الأخوان فهد وأحمد من مقدرة جيدة في هذا المضمار يعود للمرحوم الفضل فيها بعد الله سبحانه وتعالي .

تركي بن خالد السديري

مقابله نشرت بجريدة البلاد

 

أن كلامي من هذه الليلة عن عمى خالد كلاماً غير تقليدي ، فلن أتحدث عنه كرجل دولة ، وإنما كإنسان من خلال تجربتي الشخصية معه ، بعيد عن أي (بروتوكول) أو ملابس رسمية . لقد كان العلم من أبرز إهتماماته ، وأذكر أنني قرأت مرة من جريدة البلاد ، التي تنشر الوقائع قبل خمسة عقود ، عندما كانت تسمى البلاد السعودية ، خبراً عن حفلة تخرج مدرسية أقيمت على شرف أمير جازان في ذلك الوقت خالد بن أحمد السديري ، وقد قدم هو في ختامها مجموعة من أقلام الحبر كهدايا للتلاميذ المتفوقين الذين أصبحوا اليوم رجالاً ويشار إلى بعضهم بالبنان ، إذا لا غرابة أبداً في أن يواصل أبناؤه اليوم بما بدأ به هو بالأمس . يقول سمو الأمير نواف بن عبد العزيز في سياق مقال كتبه: (إن كنت تريد الخير ، وتريد أن يتطور ما أنت موجود فيه إلى الأفضل إذا كنت تريد هذا فعليك أن تستخدم الأسلوب الذي يؤدي لتحقيق ما تريد أن يكون واقعاً) . وعليه أقول : هذا ما دأب عليه خالد السديري في طول حياته وعرضها . كان واقعياً إلى درجة الإحراج أحياناً ، حتى في مجال التربية كانت له نظرة معاصرة إلى أبعد الحدود ، وأذكر في أحد الأيام أنه أنبني بل بمعنى أصح وبخني على أسلوبي الذي إنتهجته عندما سمعني أخاطب أحد الأطفال بطريقة خيالية فيها حصيلة هائلة من الأكاذيب البيضاء ، فقال لي : ما هكذا يجب أن تتعامل مع الأطفال ، فالطفل ليس متخلفاً عقلياً حتى تمثل أمامه ، والواجب أن تتكلم معه نداً لند ، وتعطية الحقيقة الواقعية كاملة بدون نقصان ، ومن يومها أصبحت صديقاً للأطفال جميعاً ، بما فيهم الأشرار والمزعجون والمهرجون الذين لا أستطيع تكميم أفواههم .

كان رحمه الله من أول ما تولى المناصب لا يقبل بأي حال من الأحوال أن يرى طفلاً او صبياً لا يلتحق بركب العلم ، وقد إنتشل العديد من بناء البادية من حرفة الرعي وألحقهم بالمدارس . وبما أننا تطرقنا إلى ذلك فلا بد وأن أحكي تجربة شخصية حدثت لي أنا ، حيث إنني كنت بالفعل من أبناء البادية ، مع أخوالي الذين يشدون ويرحلون ، وعندما بلغ عمري ما يقارب أربعة أعوام ، أتى عمي خالد ليلحقني بالمدرسة وأخذني عنوة من أحضان جدتي التي تشبثت بي تشدني من أقدامي بينما كان هو يشدني من أكتافي ، فيما كنت أنا منشباً أسناني التي تشبه أسنان النسناس على عضده إلى درجة أن الدم قد غطي ثيابه ، وبقيت آثار تلك العضة الجاهلية على عضده إلى أن توفي ، وكانت هذه العلامة شادة له على أنه لا يساوم على العلم أبداً ، كما أنها شهادة ضدي على أنني كنت مهيناً منذ صغري على الهروب من العلم إلى درجة إسالة الدماء ، ولو لم يفعل رحمه الله ذلك معي ، فالإحتمال أن أكون لازلت باقياً هناك ، لا أتقن سوى (الهجيني والدحية) ومن الممكن أيضاً العزف على الربابة . المهم أنهم أخذوني ، وركبت معهم السيارة لأول مرة في حياتي ، وكانوا في رحلة مقناص ، وكلما توقفوا يطلعون صقورهم ، وشاهدت قطيعاً من الجمال ، قفزت من السيارة راكضاً نحوها ، فيما كان عمي خالد يقتفي أثري ، يهدي روعي ويلاطفني ويغريني بالحلاوة التي لم يعرف طعمها فمي ، ويحاول أن يمسك بي دون أن يخيفني ، وتمر الدقائق ، وأحياناً الساعات ونحن على هذا المنوال من الكر والفر ، إلى درجة أن عمي سليمان رحمه الله – وكان راكباً معنا في السيارة – أخذ يتذمر من ذلك كثيراً ، وقال لعمي خالد بعد أن نفد صبره : إن هذا الورع قد دبل كبودنا وضيع وقتنا فأسمح لي أن أنهي هروبه بأسرع الوسائل ، فقال له كيف ؟ فما كان من عمي سليمان إلا أن أمسك بالشوزن وقال : بهذه ، إنه لا يستحمل إلا طلقة واحدة ، ثم آتي لكم به من أذنه وأرمي به فى السيارة ، وعندها لو رأى كل بعارين العالم فلن يتحرك ، فضحك عمي خالد رحمه الله ، وإحتواني بعطفه لأنه كان يعلم مقدار شغفي بما تعودت عليه ، ففي ذلك الوقت – بالنسبة لي على الأقل – لم تكن سيارات العالم بكل راكبيها ، تساوي عندي خف بعير واحد . لقد علم رحمه الله نفسه بنفسه ، وكان ملماً باللغة العربية وآدابها ، ولا أنسى منظره في يوم من الأيام وهو يستمع من الراديو لخطبة زعيم من الزعماء وقد أخذ يسجل بقلمه عشرات الأخطاء اللغوية والنحوية من خطاب الزعيم الذي أراد أن يعلم نفسه . وأذكر عندما كنت عائداً لتوِ من المدرسة أيام الإمتحانات ، وكانت معي أسئلة القواعد ، فأخذ يقرأها سؤالاً سؤالاً ، ويطلب مني الإجابة ، وبعد أن إنتهيت ، إلتفت نحوي وقال : أبشرك يا مشعل من الآن أنت ساقط – ومعنى ساقط راسب طبعاً - ، فتحاولت عيناي ولم أدر ماذا أجيبه ، وفعلاً عندما إستلمت الشهادة ، وإذ بكعكة حمراء كبيرة تطوق مادة القواعد ، وعندما رأى تأثري مسح على رأسي بيده الحانية وقال : ليس عيباً أن يخفق الإنسان ، ولكن العيب أن يتكرر الإخفاق ، وكانت كلمته تلك دافعاً لي لا يمكن أن أنساه . وكان يساجلنا شعرياً دفعة واحدة ، نحن الأربعة والخمسة من الأشخاص ، ونعجز عن مجاراته وننسحب الواحد تلو الآخر ، وهو لا يتوقف وكأنه كان يقرأ من كتاب مفتوح ، وهذه الموسوعية عنده ، لم تكن تنطبق على الشعر فقط ، ولكن حتى على السياسة والتاريخ والفقه والإدارة والأنساب والعلوم المختلفة . كما أن تحمله للشدائد كان عجيباً ، وأذكر أنني أتيت من الرياض بالطائرة إلى نجران لكي أعيد عليه ، وعندما وصلت إلى المخيم ، حيث كان طوال مكوثه هناك لا يسكن إلا بخيمة متواضعة ، فقالوا لي أنه ذهب للمزرعة بالعربة ومن لقافتي المعهودة ذهبت مسرعاً إلى هناك ، ومن سؤ حظي أنني واجهت سيارته عند البوابة تريد أن تخرج فسلمت عليه ، وقال لي أركب وركبت معه وأنا بكامل لياقتي البدينة ، وجلست بجانبه على المرتبة الأمامية ، في ونيت زجاجه الأمامي مشيول ، ووراء ظهورنا لم يكن سوى ماسورة حديد نستند عليها ، وعلمت أن إتجاهنا هو الربع الخالي ، حيث قيل لهم أنهم شاهدوا (جرة حبارى) في مكان ما ، توقعت أن المسافة هي خمسة أو عشرة كيلومترات على الأكثر ، فمنيت نفسي بنزهة لطيفة ، وإذا بنا نقطع ما لا يقل عن 300 كيلومتر ، وطعس يشيلنا وطعس يوطينا ، وأكبر دليل أننا إنطلقنا صباحاً ولم نصل إلا والشمس قد قاربت على المغيب ، والعجيب العجيب أنهم إستطاعوا أن يصيدوا تلك الحبارى التعيسة ، التي لم أكره في حياتي مخلوقاً أكثر منها فى ذلك الوقت ، وما صدقت على الله أننا توقفنا حتى إنطرحت أرضاً لأتحسس ظهري الذي تورم جزء منه وأصبح ككرة التنس التي تلعب بها مارتينا هينغس – الله يمسيها بالخير – والواقع أن هذه الرحلة تهون عن أخرى من نيويورك ، حيثما كان عائداً من فترة علاجية ، ومنها إلى مطار لندن ، ثم إلى مطار بيروت ، ثم إلى مطار جدة ، ومنه ركب السيارة إلى الطائف ، ومنها إنطلق رأساً إلى نجران مروراً ببيشة ، وكان الطريق في ذلك الوقت غير مسفلت  – بدون توقف – والحمد لله أنني لم أكن معه في تلك الرحلة (الرومنتيكية) هناك مواقف أصعب من ذلك كثيراً ، غير أنه من الصعب أن تقال ، فالمجال ليس مجالها هنا . ومن فراسته رحمه الله أننا كنا في الطائف ، وأمامنا مجموعة عمال من أخواننا أهل اليمن لا نعرفهم ، كانوا ينزلون بعض الأغراض ويتحدثون مع بعضهم البعض ، فلما سمعهم قال لنا وهو يشير لهم واحداً واحداً ويسمي قبائلهم تبعاً للهجاتهم ، ولكي يثبت لنا ذلك نادي عليهم وسألهم عن قبائلهم ، وعندما أجابوا عليه ، كان توقعه صحيحاً 100% .

مشعل محمد السديري

 

في طفولة الإنسان يخلق عنده تصوره للحياة ولدوره فيها وتهذب ذلك التجارب والسنين وهو كغيره من البشر يحمل ما يحملونه , قد يقول الكثير أنه كان محظوظاً نتيجة لقرباه من القيادة السعودية الذى أتاح له فرصة اختصار الطريق وذلك ما لا يحصل عليه غيره وهذا واقع . ولكنه بنفس الوقت هو حامل أرث فأبيه وجده الأول وجده الثاني لهم أدوار تاريخيه معروفة . وكثير من الناس تكون تصوراتهم لدورهم في الحياة أكثر من قدراتهم وهنا يحصل الإخفاق ولكنه كان على قدر كبير من المقدرة والموهبة الذاتيه والمكتسبة وهذا لا يمنحه الله إلا للنذر اليسير من عباده وفي رأي إن هذا سر تفوقه وإبداعه ...  كان شغوفاً بالرجولة والشجاعة وقد هيئ الله له فرصة في شبابه عندما كان أميراً في جيزان في حرب الريث الأولى أبلا فيها بلاءاً حسناً ، عندما هبطت فى جيزان  بنهاية الحرب العالمية الثانية طائرة حربية روسية للحلفاء لم يستطع مقاومة ركوبها تغمره السعادة والبهجة . كان شديد الإعجاب بالقائد العسكرى الفذ مثله الأعلى دائماً القادة العسكريين كخالد بن الوليد وسعد بن أبي وقاص وغيرهم ، تفتحت عيناه على ما بعد الحرب العالمية الأولى وتابع الحرب العالمية الثانية من خلال الراديو الوحيد فى جيزان آنذاك كما ذكر . إنصرف بعد ذلك لتحمل مسئولياته فى المواقع المتعددة التى عمل فيها ، وكان هنالك عملاً ميدانى قام به عندما كان أميراً فى تبوك عندما دخل تيماء ومعه قوة  مسلحه بدون مقاومه  تنفيذاً لأمر جلالة الملك عبد العزيز بعد مقتل أميرها عبد الكريم بن رمان على يد قريب له . عندما قامت الثورة وبدأت حرب اليمن وإنتقل إلى نجران وجد نفسه وجها لوجه أمام الشئ الذي يعشقه ويختمر فى جوفه ، وما ذكر من الأحداث يدل على روح لا تعرف الخوف من الموت وتتعطش له فى لحظات كتلك ولولا خوفى من أن يعتقد كثير من الناس أنها مبالغات تصل حد الخيال لذكرت ما ذكره شهود العيان ، تقدم المشاركين بمعركة الوديعة المعروفة بإقدام وشجاعة كللت بالظفر والتوفيق . فالتوفيق صفة لازمته طوال حياته ولا أبالغ إن قلت أنها أقرب الصفات له .

متعب خالد السديري